الآلوسي
209
تفسير الآلوسي
والالجاء كما قال إبليس : * ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) * ( إبراهيم : 22 ) فكأنهم قالوا : ما عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم ، وقيل : يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في أخبارهم بكذب من عبدهم كما كذب إبليس عليه اللعنة في قوله : * ( إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل ) * ( إبراهيم : 22 ) وجوز أن يكون التكذيب راجعاً إلى أنهم شركاء لله سبحانه لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم ومرادهم تنزيه الله جل وعلا عن الشريك في ذلك الموقف ، وخص هذا بعضهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء فافهم ، والظاهر أن قائل هذا جميع الشركاء ولا يمنع من ذلك تفسيره بما يعم الأصنام إذ لا بعد في أن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء بذلك ، وجوز على التعميم أن يكون القائل بعضهم وهو من يعقل منهم ؛ وكان الظاهر - فقالوا لهم أنكم لكاذبون - إلا أنه عدل إلى ما في " النظم الكريم " للإشارة إلى أنهم قالوا ذلك لهم على وجه الإفصاح بحيث يدرك ويمتاز عن غيره ، وفيه من الإشعار بالحرص على تكذيبهم ما فيه ، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملة الدالة على تكذيبهم أتم تأكيد ، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام أي ألقوا إليهم أنكم لكاذبون . * ( وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) * . * ( وَأَلْقَوْا ) * أي الذين أشركوا ، وقيل : هم وشركاؤهم جميعاً ، والأكثرون على الأول * ( إلَى الله يَوْمَئذٍ السَّلَمَ ) * الاستسلام الانقياد لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا فلم يكن لهم إذا ذاك حيلة ولا دفع . وروى يعقوب عن أبي عمرو أنه قرأ * ( السلم ) * بإسكان اللام ، قرأ مجاهد السلم بضم السين واللام * ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) * ضاع وبطل * ( مَّا كَانُوا يَفتَرُونَ ) * من أن لله سبحانه شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين سمعوا ما سمعوا . هذا ومن باب الإشارة في الآيات : * ( ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ) * ( النحل : 54 ) بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه * ( ليكفروا بما آتيناهم ) * من النعمة بالغفلة عن منعها * ( فتمتعوا فسوف تعلمون ) * ( النحل : 55 ) وبال ذلك أو فسوف تعلمون بظهور التوحيد أن لا تأثير لغيره تعالى في شيء * ( ويجعلون لما لا يعلمون ) * فيعتقدون فيه من الجهالات ما يعتقدون وهو السوي * ( نصيبً مما رزقناهم ) * ( النحل : 56 ) فيقولون هو أعطاني كذا ولو لم يعطني لكان كذا * ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ) * ( النحل : 66 ) الإشارة فيه على ما في أسرار القرآن إلى ما تشربه الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زلال بحر المشاهدة وهناك منازل اعتبار المعتبرين ، والإشارة في قوله تعالى : * ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ) * ( النحل : 67 ) على ما فيه أيضاً إلى ما تتخذه الأرواح والأسرار من ثمرات نخيل القلوب وأعناب العقول من خمر المحبة والانس الآخذة بها إلى حضيرة القدس : ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت * لعادت إليه الروح وانتعش الجسم * ( وأوحى ربك إلى النحل ) * قيل أي نحل الأرواح * ( أن اتخذي من الجبال ) * أي جبال أنوار الذات * ( بيوتاً ) * مقار لتسكنين فيها * ( ومن الشجر ) * أي ومن أشجار أنوار الصفات * ( ومما يعرشون ) * ( النحل : 68 ) أنوار عروش الأفعال * ( ثم كلي من كل الثمرات ) * أي من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ونور بهاء الأنوار الذاتية وأزهار الأنوار الأفعالية * ( فاسلكي سبل ربك ) * وهي صحارى قدسه تعالى وبراري جلاله جل شأنه * ( ذللاً ) * منقادة لما أمرت به * ( يخرج من بطونها شراب ) * وهو شراب معرفته تعالى بقدم جلاله وعز بقائه وتقدس ذاته سبحانه * ( مختلف